مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ

ا

فاضل السامرائي

آية (22):
(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22))
*هل هناك من رابط بين هذه الآية وما سبقها؟
قبلها تكلم عن الحياة الدنيا تكون حطاماً، هذه مصيبة وهنا وجهنا إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة في (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فهذه المصيبة التي وقعت في الأرض لما قال:(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) كلها أصبحت حطاماً وقعت في النفس وفي الأرض إذن هذه مصائب وقعت في الأرض والأنفس وذكر الأموال وذكر الأنفس. فذكر أن كل مصيبة تقع في الأرض وفي الأنفس وتحل إلا هي مدونة مكتوبة قبل أن تقع وهي يسيرة على الله سبحانه وتعالى. كل ما أصابكم وما يصيبكم في المستقبل، ما أصاب من مصيبة في الأرض من كوارث وما إلى ذلك وفي الأنفس إلا مدونة مكتوبة كتبها ربنا عنده في كتاب (الكتاب هنا اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما سيكون إلى يوم الدين). كلها مدونة في كتاب قبل أن تقع لذا ينبغي أن نوجه أنفسنا إلى أمر آخر وهو المسابقة إلى الآخرة حيث لا مصيبة لا تقع فيها مصائب ولا يقع فيها شيء إذن هي مرتبطة بالآيتين التي قبلها. فقال لنا ما حلّت وما وقعت من مصيبة في الأرض ولا في الأنفس إلا وهي مدونة فلِمَ التأسف؟، قبل أن نخلقها، قبل أن نوجدها، من قبل أن نبرأها.
*قال (ما أصاب) هل أصاب بمعنى حل أو وقع؟
القرآن لا يستعمل مع المصيبة إلا أصاب ولم يستعمل فعلاً آخر لم يقل وقعت مصيبة أو حلّت مصيبة إنما يستعمل أصاب ومتصرفاتها ما تصرّف منها. أصاب أصلها من الإصابة والإصابة أصلها ضد الخطأ (أصاب فلان الهدف أي لم يخطئه، أصاب فلان في كلامه أي لم يخطئ) رب العالمين بين لنا أن المصائب هي مقدرة وقد أصابت موقعها المقدر لها لم تخطئه. لا تتصور أن هذه المصائب وقعت عشوائياً وإنما أصابت موقعها المقدر لها لم تخطئه فلم الأسى؟ إن يستعمل أصاب ولم تقع عشوائياً ولا تؤدي حلّت أو وقعت هذا المعنى. لكن أصابت أي أصابت موقعها المقدّر لها لم تخطئه.
*(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) قدم المصيبة في الأرض على النفس؟
الأرض هي مقدمة من حيث الخِلقة، الأرض تسبق لأن الأرض مهيأة لمن عليها من الأشخاص والمصائب في الأرض قبل أن تقع في الأنفس، المصائب في الأرض هي تقع فيها كوارث من فيضانات وغيرها قبل أن يوجد البشر إذن المصيبة في الأرض أسبق من مصيبة الأنفس ولذلك قدمها (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ)قدم الأرض لأنها وقعت قبل الأنفس.
ما فائدة (من)؟ هذه تسمى في اللغة مِنْ الاستغراقية التي تستغرق كل ما دخلت عليه. (وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ (62) آل عمران) استغرقت جميع الآلهة. (أن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ (19) المائدة) تستغرق كل ما دخلت عليه. لما تقول ما جاءني رجل فيها احتمالين أنه ما جاءك رجل وإنما رجلين أو أكثر وما جاءني رجل أي واحد من هذا الجنس أما ما جاءني من رجل تستغرق الجنس بكامله لم يأتك لا واحد ولا أكثر من هذا الجنس. ما أصاب من مصيبة أي أي مصيبة كبيرة أو صغيرة لم يشذ عنها مصيبة واحدة فيما يحدث في كل الدنيا لا يمكن أن تقع مصيبة إلا وهي مدونة في كتاب وخارج الكتاب لا تقع وهذا على سعة علم الله وإحاطته بالأشياء صغيرة أو كبيرة حيثما وقعت هي مدونة مكتوبة في كتاب من قبل أن تقع.
*في الحديد قال: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) وفي الشورى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30))؟
(أصاب) مطلق لم يقيدها بمصاب معين، (ما أصاب) لا قيّدها في مكان ولا في شخص، بينما (ما أصابكم) هناك مخاطبين لا تتعلق بالأرض فهي للمخاطبين تحديداً لأنه قال: (فبما كسبت أيديكم) لما قال فبما كسبت أيديكم خصصها فذكر المصائب التي تصيبنا بما كسبت أيدينا, لما قال ما أصابكم عندما خصص قال بما كسبتم أيديكم لما خصص خصص وفي الثانية أطلق فقال أصاب لم يقل بما كسبت أيديكم (ما أصاب) وعندنا في آية أخرى في التغابن (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (11)). (ما أصابكم) خاصة و(ما أصاب) عامة مطلقة.
*في الحديد (مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) لماذا لم يقل من قبل أن تقع؟
في الآية يدل على العلم والقدرة لما قال:(إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) دل على علمه وقدرته . نبرأها يعني نوجدها وهي أحد معاني الخلق. الخلق له معاني وقد ينسب إلى الإنسان تقول خلقت هذا الشيء كما قال عيسى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ (49) آل عمران) يأتي بمعنى التصوير. بمعنى من المعاني الخلق يعني الإيجاد. قال نبرأها بدل نوجدها. الله تعالى يستعمل اسم البارئ بمعنى الخالق. لم يقل من قبل أن تقع لأن هذه الآية تدل على العلم والقدرة: العلم أنه في كتاب و (من قبل أن نبرأها) أي هو الذي أوجدها إذن دل على علمه وقدرته ولو قال من قبل أن تقع دل على علمه فقط ولا يدل على القدرة. نبرأها هو الذي أوجدها فيها علم وقدرة، علِم بها فدوّنها وأوجدها فيها قدرة. لو قال من قبل أن تقع لا تدل على القدرة وإنما على العلم فقط. لما قال من قبل أن نبرأها دل على العلم والقدرة وتدل على التوحيد إذا كان يبرأها كلها فأين الآلهة الأخرى التي يزعمون؟ يدل على القضاء والقدر لأنها مدونة في كتاب ويدل على التوحيد ونفي الشرك.
ضمير النصب في نبرأها على من يعود؟ المصيبة أو الأنفس أو الأرض؟ يعود على جميعها قبل خلق الأنفس والأرض والمصيبة وهذا علم عظيم، عندما قال من قبل أن نبرأها أطلقها. لا يمكن أن يقول نبرأهم لأنها للذكور للعقلاء ولا نبرأهنّ تعني ثلاثة، لكن نبرأها أكثر لأن ضمير غير العاقل لو عندنا ضمير غير عاقل في الجمع الجمع القليل نأتي بضمير الجمع وللقليل نأتي بالإفراد. مثال (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (36) التوبة) قال منها لم يقل منهن (فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) لما قال أربعة قال فيهن بضمير الجمع ولما قال اثنا عشر قال منها وجاء بالإفراد. إذا كان الضمير لغير العاقل إذا كان كثيراً نأتي بضمير الإفراد وإذا كان قليلاً أي أقل من عشرة نأتي بضمير الجمع. العرب لما يؤرّخون يقولون: لثلاث خلون، لأربع خلون، لإحدى عشرة ليلة خلت، لما يتجاوز العشرة يقولون خلت.
ضمير الفاعل للتعظيم (النون في نبرأها جمع التعظيم) جاء بعدها بالمفرد (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ما قال علينا وهذا تعبير في القرآن حيث يذكر ضمير التعظيم في جميع القرآن يأتي بعده أو يسبقه ما يدل على الإفراد. ليس في القرآن موطن فيه ضمير التعظيم إلا أن يكون قبله أو بعده ما يدل على الإفراد. (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) هذا في جميع القرآن حيث ذكر ضمير التعظيم لا بد أن يسبقه أو أن يأتي بعده ما يدل على الإفراد.
*( إن ذلك على الله يسير)ما فائدة التقديم؟
هذه للحصر أي على الله يسير حصراً لو قال يسير على الله قد يكون يسيراً على غيره لما تقول هذا هيّن عليّ هذا ليس حصراً هين عليّ قد يكون هين على غيرك. (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ (9) مريم) أي حصراً وفائدة التقديم الحصر لا يكون يسيراً على غيره.

 


آية (23):
(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23))
*نظرة عامة على الآية :
الآية التي توقفنا عندها هي قوله تعالى 🙁لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ذكر ربنا أنه (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) فإذا كان كل ذلك مدوّن فلماذا نأسى على الفائت فنحزن حرناً كثيراً ويطغينا ما يأتينا (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) ونختال على خلق الله ونفخر عليهم ؟ لماذا نأسى على الفائت أسى كثيراً يؤثر علينا ويجعلنا في هم كبير وشغل شاغل ؟ ونفرح بحيث يطغينا هذا الفرح على ما يأتينا من الخير . الأسى بمعنى الحزن ولا تفرحوا الفرح المطغي بحيث يجعلك تختال على خلق الله وتفخر عليهم فإذا كان مما آتاك الله فلماذا الاختيال والفخر على خلق الله ؟ (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) توطين للنفس على قبول ما يحصل له من ضر وعدم الاختيال على عباد الله بما يؤتيه الله تعالى له من النِعم .
*تأسوا بمعنى تحزنوا واستخدمها القرآن في آل عمران (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)) ما اللمسة البيانية في الآيتين ؟
كِلا الفعلين يدل على الحزن عندنا حزِن يحزَن وحزَن يحزُن ، حزِن يحزَن فعل لازم ليس متعدياً تقول حزِن عليه و (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ (88) الحجر )، (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ (76) يس ) (الكاف مفعول به ).حزِن يحزُن متعدي ، حزنني وأحزنني (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ (13) يوسف ). اللغة العليا حزَن يحزُن وتستعمل أحزن أيضاً ، أحزن من حَزَن . الفعل أسي يأسى يسمونه الباب الرابع (لكيلا لا تأسوا ) وأسى بمعنى حزن أيضاً (فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) الأعراف ) هي أأسى ، فهو أسي يأسى ، كلاهما يفيد الحزن لكن الفارق بين لكيلا تحزنوا ولكيلا تأسوا في الحزن مشقة أكثر وشدة لأنه قريب من معنى الحزْن الذي هو الغلظ والشدة في الأرض (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزْن إذا شئت سهلاً ) الحزْن أي الصعب وتقال للأرض الصعبة . إذن الحزن فيه غِلظ وشدة في الأرض والحُزن هو الغلظ والشدة في النفس . أيهما أثقل ؟ الحُزن أثقل على النفس من الحزْن ، الحزْن تجتازه وانتهى الأمر أما الحُزن فيبقى في النفس . الحَزن فتحة والحُزن ضمة فاختاروا الضمة لما هو أثقل لأنها تتناسب اللفظة مع مدلولها أو المعنى .
هل هناك تفاضل بين الحركات الإعرابية ؟
هي ليست هكذا ولكن عندنا الفتحة أخف الحركات تليها الكسرة والضمة أثقلها لاحظنا أن العرب تراعي كثيراً من هذه الأمور تجعل الثقيل للثقيل سواء في الحركات أو في اللفظ عموماً وليس فقط في الحركات وتناسب اللفظ والمعنى ، لما يتحول الفعل إلى فَعُل يتحول إما للتعجب أو للمدح والذم أو المبالغة أو التحوّل مثل فقِه وفَقُه ، فقُه صار فقيهاً أما فقِه فجزئية ، عَسِر وعَسُر ، عسِر عليه الأمر أما عسُر فالأمر هو عسير . خَطَب ألقى خطبة وخَطُب صار خطيباً . الحركة تغير الدلالة تماماً . (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ (23) الرعد ) ما قال صلُح قال من صَلَح رأفة بالعباد . صلُح أي صار صالحاً إلى حد كبير من الصلاح والله تعالى من رحمته بعباده يكفيه أن يكون الإنسان صالحاً لا أن يبلغ ذلك المبلغ في الصلاح . هذه قاعدة عامة لكن السماع هو الذي يقطع بذلك أحياناً .
لكيلا تأسوا ولا تحزنوا ” اتضح أن الحزن أشد من الأسى معناه تحزنوا أشد من تأسوا . ننظر في السياق ونقدّر : في (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) هذا الكلام بعد واقعة أُحد وما حصل لهم من شدة ومشقة وهزيمة وجراح وما فاتهم من الغنائم كانت شديدة عليهم قال تعالى (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ ). الحُزُن في أحد على أمرين على ما فاتهم وعلى ما أصابهم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنائم ولا ما أصابهم من الجراح فالحزن على أمرين على ما فاتهم وعلى ما أصابهم . أما في الحديد (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) أمر واحد (ولا تفرحوا بما آتاكم ) هذه نعمة تفرحوا بما آتاكم من النعم . في أُحُد أمران في الحزن فقطعاً في أحد الحزن أكثر لأن الحزن على أمرين ما فاتهم وما أصابهم أما في الحديد فالحزن على ما فاتهم فقط . بعد معرفة الفرق بين حزن وأسي نضع الحزن في آية آل عمران وتأسوا في آية الحديد وكل كلمة في مكانها البلاغي ولا يوجد ترادف في القرآن الكريم وإنما هو حتى عند اختيار لغة على لغة يكون مقصوداً ، كل كلمة لها دلالة واختيارها له سبب مقصود فالتعبير القرآني تعبير فني مقصود ، كل كلمة كل عبارة كل حرف مقصود .
*(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) ما اللمسة البيانية في (فاتكم ) و (آتاكم )؟
على ما فاتكم من الخير وأسند الفوت إلى الشيء نفسه و (ما ) بمعنى (الذي )، ولا تفرحوا بما آتاكم ، من الذي آتانا ؟ الله هو الذي آتاهم ولم يقل ما أتاكم . آتاكم أي الله تعالى آتاكم (فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم (36) النمل ) أما أتاهم فمن نفسه . آتاكم الفاعل هو الله تعالى وليس الشيء نفسه أما أتاكم فالفاعل هو الشيء الشيء أتاهم من نفسه . آتاكم أي ما آتاكم الله تعالى والله تعالى أسند الخير إلى نفسه وهذه قاعدة في القرآن الكريم (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ (51) فصّلت ) (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) الجن ) لم يقل بما أفاته عليكم أو بما فوّته عليكم لم ينسبه إلى نفسه . القدر خيره وشره من الله تعالى لكنه قال وإذا مسه الشر . نسب الخير والفرح إلى نفسه تعالى ونسب الفوت إلى الشيء نفسه ولم يجعلهما سواء . في التعبير الطبيعي لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم من الخير فالإنسان يفرح بالخير ، لكنه قال بما آتاكم الله من الخير ولم يجعلهما سواء في التعبير لم يقل بما أفاته عليكم أو بما فوّته عليكم لم ينسبه إلى نفسه وكذلك الإيتاء أسنده إليه سبحانه وتعالى .
*ختمت الآية (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) وفي لقمان قال : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)) ما دلالة التأكيد في لقمان ؟
المختال هو المتباهي على الخلق المتكبر والفخور يفخر عليهم لكن إحداهما في السلوك والأخرى في القول . المختال في السلوك والفخور في القول فنهى عن ذلك يذكرون آباءهم بالشعر كما فعل العرب في الشعر . فربنا سبحانه وتعالى لا يحب التكبر لا في القول ولا في السلوك فجمعهما . مختال من فعل اختال وكلاهما للمبالغة مختال وفخور كلتاهما صيغتا مبالغة . اختال أصل الفعل خال أي تكبّر واختال هو الزيادة في التكبّر (افتعل ) مثل جهد واجتهد وصبر واصطبر وفخور من فعول وهي من أشد صيغ المبالغة . مختال صيغة من غير الثلاثي من اختال فعل خماسي وفخور من الثلاثي ، صيغ المبالغة لا تأتي من غير الثلاثي إلا الأسماء .
قدم التكبر في الفعل على القول لأن الإنسان يتباهى بما عنده إذا جاءه مال ثم يتكلم وأحياناً قد لا يكلم الناس .
في لقمان ختمت الآية بالتأكيد ب (إن ). آية لقمان في آداب المعاملات والتصرف بين الناس (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)) وذكر ما هو أسوأ مما ذكر في الحديد (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) وإنما قال 🙁لا تفرحوا بما آتاكم ). صعّر خده أي أمال خدّه تكبراً . فذكر ما هو أسوأ في لقمان (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ) ولم يذكر هذا في الحديد لذا احتاج التأكيد في آية سورة لقمان لأنه ذكر فيها الأكثر اختيالاً سوءاً والآيات في حسن التصرف مع الناس . كل ما ذكره في آية لقمان في المعاملات مع الناس وذكر من الصفات ما هو أسوأ فاحتاج للتأكيد ولا يمكن أن يكونا بمرتبة واحدة وخاصة في أمور الكِبر وهذه مقاييس للتعبير دقيقة .